الشيخ عبد الله الصالحي النجف آبادي

140

موسوعة مكاتيب الأئمة

عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) . ( 1 ) فمن زعم أنّ اللّه تعالى فوّض أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز ، وأوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير وشرّ ، وأبطل أمر اللّه ونهيه ووعده ووعيده ، لعلّة ما زعم أنّ اللّه فوّضها إليه ، لأنّ المفوّض إليه يعمل بمشيئته ، فإن شاء الكفر أو الإيمان ، كان غير مردود عليه ولا محظور ، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا ، من وعده ووعيده ، وأمره ونهيه ، وهو من أهل هذه الآية : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ( 2 ) ، تعالى عمّا يدين به أهل التفويض علوّاً كبيراً . لكن نقول : إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق بقدرته ، وملّكهم استطاعة تعبّدهم بها ، فأمرهم ونهاهم بما أراد ، فقبل منهم اتّباع أمره ورضي بذلك لهم ، ونهاهم عن معصيته ، وذمّ من عصاه وعاقبه عليها ، وللّه الخيرة في الأمر والنهي ، يختار ما يريد ويأمر به ، وينهى عمّا يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره واجتناب معاصيه ، لأنّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة ، بالغ الحجّة بالإعذار والإنذار ، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته ، واحتجاجه على عباده ; اصطفى محمّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبعثه برسالاته إلى خلقه ، فقال من قال من كفّار قومه حسداً واستكباراً : ( لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم ) ( 3 ) يعني بذلك أميّة بن أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي ، فأبطل اللّه اختيارهم ، ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) . ( 4 ) ولذلك اختار من الأمور ما أحبّ ، ونهى عمّا كره ، فمن أطاعه أثابه ، ومن عصاه عاقبه . ولو فوّض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أميّة بن أبي الصلت ، وأبي مسعود الثقفي ، إذ كانا عندهم أفضل من محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلمّا أدّب اللّه المؤمنين بقوله : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا

--> 1 - الأنفال : 8 / 20 . 2 - البقرة : 2 / 85 . 3 - الزخرف : 43 / 31 . 4 - الزخرف : 43 / 32 .